محمد حسين الذهبي

208

التفسير والمفسرون

أن يراه مستلذا بعباداته ومناجاته ، ولا تمتنعوا بالاكتفاء بمستلذات المرتبة الدانية عن مستلذات المرتبة العالية ، فإنه يحب أن يرى عبده مصرا على طلب مستلذات المرتبة العالية ، كما يحب أن يراه في هذه الحالة معرضا عن مباحات المرتبة الدانية ، مكتفيا بضرورياتها وراجحاتها . ولا تعتدوا عما أباح اللّه إلى ما حظره ، وفي المباح إلى حد الحظر . والآية إشارة إلى التوسط بين التفريط والإفراط في كل الأمور من الأفعال والطاعات والأخلاق والعقائد والسير إلى اللّه ، فإن المطلوب من السائر إلى اللّه يكون واقعا بين إفراط الجذب وتفريط السلوك . . . ) ثم بعد ذلك فسر قوله تعالى « وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ » بما يشبه التفسير السابق . . . ثم بعد ذلك ذكر أن الآية نزلت في علي وبلال وعثمان بن مظعون ، فأما على فحلف أن لا ينام بالليل ، وأما بلال فحلف أن لا يفطر بالنهار أبدا ، وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا ، فلما علم بذلك رسول اللّه خرج على الناس ونادى : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات ؟ إني أنام الليل وأنكح وأفطر بالنهار ، فمن رغب عن سنتي فليس منى ، فقام هؤلاء فقالوا : يا رسول اللّه . . . فقد حلفنا على ذلك ، فأنزل اللّه آيات الحلف . . . ثم استشكل المؤلف على هذه الرواية إشكالين أولهما : أن مثال هذه المعاتبات ونسبة التحريم والاعتداء والتقوى ولغو الإيمان غير مناسبة لمقام على . وثانيهما : أن عليا إما كان عالما بأن تحريم الحلال إن كان بالاستبداد والرأي كان من البدع والضلال ، وإن كان بالنذر وشبهه كما دل عليه الخبر ، كان مرجوحا غير مرضى للّه تعالى ، ومع ذلك حرمه على نفسه ، أو كان جاهلا بذلك ، وكلا الوجهين غير لائق بمقامه . . . ثم أجاب عن هذين الإشكالين بجواب كله من قبيل النظرات الصوفية فقال ( والجواب الجلى لطالبى الآخرة والسالكين إلى اللّه ، الذين بايعوا عليا بالولاية ، وتابعوه بقدم صدق ، واستشهوا نفحات نشأته حال سلوكه أن يقال : إن السالك إلى اللّه يتم